.. ورُفع الآذان بعد 1200 سنة في مسجد رهط

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أعلنت سلطة الآثار الإسرائيلية، مؤخراً، اكتشاف بقايا مسجد أثري عند نواحي مدينة رهط، في أقصى شمال صحراء النقب. يعود هذا المسجد بحسب أهل الاختصاص إلى القرن السابع أو الثامن الميلادي، وهو أول مسجد يُعرف من تلك الحقبة في هذه المنطقة، ويُمكن اعتباره من أقدم المساجد في العالم.


اكتشف هذا المسجد خلال الحفريات الأثرية التي كانت تُجريها سلطة الآثار قبيل البدء بأعمال بناء حي جديد في مدينة الرهط، وأكّد مديرا الحفريات في الموقع جون سيليغمان وشاهار على أهميّته الاستثنائية، وسلّطا الضوء على دلالته التاريخية، وقالا: "هو جامع قروي محلي من تلك الفترة، ويُعتبر اكتشافا أثرياً نادراً جداً في الشرق الأوسط وفي العالم بأسره، خصوصاً في المنطقة المتواجدة في شمال بئر السبع، حيث لم يُعثر في هذه المنطقة على مبنى مشابه له حتى يومنا هذا. من المعروف ان هناك جوامع كبيرة من تلك الفترة في القدس ومكة، إلا أننا هنا أمام مصلى صغير كان يؤمّه مصلّون من المزارعين المحليين. عثرنا على بقايا مسجد مفتوح تحت السماء، وهو مكوّن من ساحة مستطيلة لها محراب باتجاه الجنوب، أي باتجاه مكة، وهذه المؤشرات تدل على استعمال المبنى قبل مئات السنوات".

من جهة أخرى، كشفت هذه الحفريات عن بناء أنشئ بين القرن السادس والقرن السابع، أي في الفترة البيزنطية التي سبقت دخول الإسلام إلى النقب، وقد تواصلت الحياة فيها في المرحلة اللاحقة، كما تشهد آثار المساكن التي كانت التي كانت مقسمة الى غرف صغيرة مجاورة لمخازن الأطعمة والمواقد والأفران. وتظهر هذه المنشآت بأن الأراضي كانت خصبة ومناسبة لزراعة الحبوب، وقد شجّعت مياه الأنهر الجوفية المزارعين على القدوم الى هذه الأرض والعمل فيها. يعود المسجد المكتشف إلى مرحلة الإسلام المبكر في المنطقة، وقد أنشئ كما يبدو بعد فترة وجيزة من دخول الفاتحين في عام 636، في زمن عمرو بن العاص، ووجوده في هذه البقعة يشهد لدخول النقب في مرحلة تاريخية جديدة. ومواصلة الحفريات في الواقع قد تكشف عن شواهد أخرى من هذه الحقبة المتحوّلة.


شارك عدد من سكان النقب الأصليين في هذه الحفريات، وأقاموا الصلاة في المسجد المُكتشف بعدما رَفَع الاذان فيه المسؤول الإداري، ياسر العمور، الذي قال في هذه المناسبة: "شعرت بسرور لا يوصف حين رفعت الآذان للمرة الأولى في هذا المسجد بعد أكثر من 1200 سنة. المسجد موجود في الضاحية العاشرة، على بعد أمتار عن شارع بغداد، وأطالب بلدية رهط ببناء مسجد كبير بالقرب من هذا المسجد الأثري. وقالت الصحافة المحلية بأن السلطة تبحث في "السبل التي تمكّن من الحفاظ على الجامع ودمجه ضمن الحي السكني الجديد ليكون مُتاحاً للجمهور".

يتميّز مسجد رهط بطابعه المتقشّف الذي يفاجئ الناظر، ويمكن القول بأنه حافظ على طابعه الأصلي، بخلاف المساجد الشهيرة التي تعود إلى تلك الحقبة المبكرة من تاريخ الإسلام. يُعتبر مسجد قباء أوّل مسجد بُني في الإسلام، وقد بناه النبي محمد حينما هاجر من مكة إلى المدينة، وجدّده من بعده عثمان بن عفان، ثم عمر بن عبد العزيز، وتتابع الخلفاء على تجديده وتوسيع بنائه، وقد استمرت هذه الأعمال في زمن الدولة السعودية، في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، وبات من الصعب تحديد بنية المسجد الأولى.

وبحسب المصادر التاريخية، وضع الرسول أساس مسجد قباء، وشارك شخصياً في بنائه، وسارع الصحابة في إعماره، إلى أن قامت بنيته وعلا كعبه. في "أخبار المدينة"، نقل ابن زبالة، رواية تقول أن الرسول بنى هذا المسجد في "مربد" يعود لكلثوم بن هدم، والمربد هو الموضع الذي يُبسط فيه التمر ليجفّ. وفي رواية أخرى، نقلها ابن حجر في "فتح الباري": "لمّا قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل بقباء، قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم بد من أن يجعل له مكاناً يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء، فهو أول مسجد بني".

فكيف بنى الرسول هذا المسجد؟ نقرأ في "كنز العمال": "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال لأصحابه: انطلقوا بنا إلى أهل قباء نسلم عليهم، فأتاهم فسلم عليهم ورحبوا به، ثم قال: يا أهل قباء، ائتوني بأحجار من هذه الحرة. فجمعت عنده أحجار كثيرة ومعه عنزة له (أي عصا) فخط قبلتهم، فأخذ حجراً، فوضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أبا بكر، خذ حجراً فضعه إلى حجري. ثم قال: يا عمر، خذ حجراً فضعه إلى جنب حجر أبي بكر، ثم التفت فقال: يا عثمان، خذ حجراً فضعه إلى جنب حجر عمر، ثم التفت إلى الناس بآخره فقال: وضع رجل حجره حيث أحب من ذلك الخط".

بعد بناء مسجد قباء، بنى الرسول، المسجد النبوي بجانب بيته في المدينة إثر هجرته، ومرّ هذا المسجد بسلسلة من التوسّعات عبر التاريخ، وبات واحداً من أكبر المساجد في العالم. تقول الرواية المتوارثة أن المسلمين الأوائل كانوا يصلّون قبل الهجرة في "مربد" لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار... والمربد أيضاً موقف الإبل ومحبسها. وعندما جاء النبي إلى المدينة، بركت ناقته في ذلك المربد، فدعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً. شارك الرسول بنفسه في بناء المسجد، وجعل أعمدته وسقفه من جذوع النخل وأغصانه، وأساسه من الحجارة، وجداره من الطوب النيء المعروف باللبن. وقيل "أن الإنصار جمعوا مالاً، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى". والجريد هو أغصان النخيل، أما العريش فهو السقف.

يُماثل مسجد رهط ببساطته القصوى هذه الروايات ويختزلها بشكل مثير للدهشة، كما انه يمثل شاهداً فريداً من شواهد الإسلام المبكر في صحراء النقب. في هذه الصحراء، جمع عالم الآثار مجموعة كبيرة من النقوش العربية التي تعود في غالبيتها إلى القرنين السابع والثامن، ونقل هذه الكتابات بدقة، ثم خرج بقراءة تأويلية صادمة تناقد الرواية الإسلامية المعتمدة بشكل جذري. ويُظهر اكتشاف هذا المسجد الأثري اليوم بأن هذه القراءة تحتاج إلى مراجعة نقدية جديدة كما يبدو.


هذا المقال ".. ورُفع الآذان بعد 1200 سنة في مسجد رهط" مقتبس من موقع (المدن) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو المدن.

أخبار ذات صلة

0 تعليق