محمد جلال فراج يكتب: الرسالة الأخيرة من هيثم أحمد زكى لماذا تركونى أموت وحيدًا؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أبى العزيز
تحية طيبة وبعد
أنا الآن فى طريقى إليك.. لم أتأخر أليس كذلك؟ الوقت لم يطل عليك هناك وحدك.. أعرف أنك استأنست بطيبين كانوا قد سبقوك، بالتأكيد لم يتركوا لك ثغرة يتسرب منها الشعور بافتقادى.. لا سيما أنك ظننت حتمًا أننى بخير فى الدنيا دونك، بالتأكيد تخيلت يا أبى أن أصدقاءك الكثر قد بدلوا هلعى بحضن دافئ يعوضنى فقدك.. بالتأكيد ظننت أن طفولتى ستمنحنى آباء وإخوانًا كثيرين يتبارون فى تعويضى عن غيابك.
وعلى ذكر طفولتى.. يا لها من طفولة رغدة حسدنى الجميع عليها.. ابن النجم الكبير أسطورة التمثيل التى لم ولن تتكرر، والفنانة الرقيقة التى ماتت فى ريعان شبابها موتًا أسطوريًا يليق بأسرتنا.. حتى موتك أنت كان فخيمًا يدعو للحسد.. كنت أشعر وأنا فى جنازتك بأننى محور الكون، الكل يلتف حولى، الجميع يربت على كتفى، العيون تمتلئ بالأسى والدموع، خاصة أمام الكاميرات التى كان يعج بها المكان.
أقول لك الحقيقة يا أبى ولا تغضب منى سريعًا كعادتك، أنا لم أشعر بالضياع ولا الفقد أثناء جنازتك، لأن فيضان المشاعر ممن كان حولى قد جرفنى لدرجة أننى توقعت أن يبيتوا جميعًا معى فى غرفة واحدة إلى الأبد حتى لا أشعر بالوحدة.. لكن مع الأسف فى نهاية العزاء وعندما بدأت أضواء الكاميرات تنحسر.. تسرسب الجميع وتركونى وحيدًا ومن يومها يا أبى وأنا وحيد.. لا تصدقهم إن أخبروك عكس ذلك، فقد تركونى حتى مت وحدى فى بيت واسع لا أكلم فيه غير جدران صماء لا تسمعنى.
أتعرف يا أبى أننى كوّنت بعض صداقات من أبناء جيلى، كنت دائمًا أحذر أصدقائى وأرمى فى جباههم نبوءتى «حاسس إنى هموت صغير بس خايف أموت لوحدى» لكنهم اعتبرونى نكديًا ومتشائمًا وأقول كلامًا لا أعنيه لأستدر العواطف، وألقوا بنصائحهم الهزيلة المعلبة فى وجهى بأن أهتم بصحتى و«أبص» لمستقبلى المشرق المفعم بالأحلام المنتظر تحقيقها، ليتهم يا أبى أخذوا كلامى على محمل الجد، ليتهم قرأوا آيات الوحدة البادية على عيونى والتى تصرخ بالهلع، وتكذب كل ما يصرح به لسانى بأن «كله تمام»، حتى فى الاحتفالات الصاخبة كنت حزينًا لأننى أعرف أن الصخب تعقبه وحدة طويلة حتى يتذكرنى أحدهم بعد يوم، اثنين، ثلاثة، شهر، عام، حسبما يجود به حظى الشحيح علىّ.
وتحققت النبوءة يا أبى، أصدقك القول، غضبت من أصدقائى أنهم لم يصدقونى ولعنتهم فى سرى عندما شعرت بالخدر يجتاح جسدى قبل أن تخطو قدمى من عالمى الضيق إلى عالمك الرحب بلحظات، قلت فى نفسى وأنا فى نهاية وعيى: لماذا لم يصدقنى أحدهم؟ لماذا تركونى أموت وحيدًا، دون أن يهدأ أحد من هول سكرات الموت القادمة وهى تنتشل روحى الحزينة؟.. لكن أتعرف يا أبى؟ أنا الآن سامحتهم جميعًا، لم أعد أمقت خذلانهم لى لأننى وجدت الراحة فى طريقى إليك أنت وأمى الجميلة التى استوحشت ملامحها الطيبة، لن أنتظر من أحد بعد اليوم أن يؤنس وحدتى، لن أكون فى حاجة إلى من يربت على كتفى ويقول لى إنك لست وحدك كما كنت دائمًا، لم يعد ثمة شىء يختبى فى المستقبل أخاف منه، ولا نبوءة أحذر منها أصدقائى.. الآن وفقط هدأت روحى المرهقة بفقد الأحبة، وذهبت إلى بارئها، وسوف تسكن هناك بجوار أحبتها الذين هجروها من سنين، ولن تتركهم أبدًا إلى أن يشاء الله، وأثق فى أن رحمته سوف تربط على قلبى وتهدّئ من روعه.
قاسية هى الدنيا يا أبى وأقسى منها قلوب البشر.

هذا المقال "محمد جلال فراج يكتب: الرسالة الأخيرة من هيثم أحمد زكى لماذا تركونى أموت وحيدًا؟" مقتبس من موقع (الدستور) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو الدستور.

أخبار ذات صلة

0 تعليق